كتاب الرأي

حروف مبعثرة .. !!

 

يؤلمني صاحبي عندما يضع اسئلته ولا أجد لها جواب ..

يتطاول على خصوصيتي ولا أستطيع الفرار من تواجده المزعج بين فينة وأخرى ..

يقتنص اوقاتا تكون فيها ذاكرتي فارغة إلاّ من التفكير في بعض الالتزامات والشئون الخاصة ..

وأعلم يقينا أن الكل بيننا ومعنا وحولنا لهم نفس الاهتمامات والمشاغل والمسئوليات ..

لكن صاحبي لا يعنيه كل ذلك.. همّه طرح اسئلته وفرضُ عليّ الإجابة أقنعته  أم لا ..

سألني سولا تائها حائرا يقول ..

هل صحيح أننا جميعا نحمل في دواخلنا ( مقبرة صغيرة ) تكبر مع الأيام بفعل تقادم وقت وساعة تواري الموتي داخل هذه المقبرة ..

هل مررت او شعرت بشيء من هذا .. ؟؟

المقبرة التي دفنّت فيها احلاما لم تتحقق .. أماني كانت بعيدة المنال  .. حوائج تمنيت الحصول عليها لم تستطع .. لقاءات تحمل ذكريات لها رجسٌ ووقعٌ خاص في نفسك .. مواقف مختلفة بين تأثير ومبكي ومؤسف وفرح وسرور وقس على ذلك كثير مادامت لنا الحياة ..

أشخاص تربطك بهم علاقة وخصوصية ينفردون بها عن غيرهم غادروا دنياك ولم تغب صورهم وابتساماتهم وضحكاتهم ونصحهم ومشاركاتهم واحلامهم عن ذاكرتك ..  كنتم سويا جمعتكم الأيام ثم فرّقت الأقدار أحلامكم وامانيكم ..

غيبهم الموت لكن ذكراهم لا تزال داخل مقبرتك الصغيرة.. التي تملك أنت وحدك مفتاح الدخول اليها..

بل زد على ذلك .. كلمات ماتت على أعتاب الشفاه .. لا أنت بالذي كتمها ولا هي التي خرجت وفقما تريد

يسوق على مسمعي كل هذا الكلام وانا صامت شارد الفكر اتجول مع كلماته بين تخيلات تذهب بي هنا وهناك كما ذهبت به أعانه الله .. ثم صمت ليقول ..

هاااه .. تعليقك أيها المتفيقه ..

سكت وقت وجيز ثم رفعت رأسي لأجيبه..

ليس كل من يتغشاه الهدوء خالي البال ولا كل صاحب بال مشغول لا يبالي ..

بين هذا وذاك حكايات تروى وأخرى لن تخرج من بين موتى المقبرة ..

 المؤلم أن قلوبنا لا تقبل نصب سرادق العزاء لموتاها الساكنون داخل تلك المقابر .. لسبب واحد أن الأمل يعيش مع العمر يوما تلو آخر ما كتبت لنا الحياة عسى أن يفيق أحدهم فيلتج المكان بزغاريد الفرح والسرور وتطرب النفس أن نالت ما تريد وتحقق لها ما كان بعيدا ..

لا أخفيك ان كل قلوب العباد فيها مثل تلك المقابر ..  موارات الموتى داخلها مرهون بكثير من المسببات يأتي على رأسها الرضاء بما كتب الله سبحانه على عبيده في أرضه .. ويملك القناعة المطلقة ( ان ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ) .. ولن أزيد ..

قام من مجلسي وهو يتمم .. كعادتك تحيك الأمور بخيط من الحرير أقبل به ولا يرضيني ..  لكثرة تفرعاته وتوهانه وعدم وضوحه ..

قلت هذا ما لدي واعلمه والله أعلم ..

افترقنا على أمل ان تلتقي على أسئلة تكون مقنعه واضحة الى لقاء بكم قريب دمتم بخير …

‫2 تعليقات

  1. استاذي البارع رزقان العبدلي المقال يحمل طابعًا تأمليًا فلسفيًا وجدانيًا، ويعتمد على الحوار بين الكاتب وصاحبه ليطرح سؤالًا أعمق من مجرد السؤال الظاهر: ماذا نفعل بالأشياء التي انتهت في حياتنا، لكنها لم تنتهِ في داخلنا؟

    أولًا: الفكرة الرئيسية

    الفكرة المحورية في المقال هي تشبيه الذاكرة والقلب بـ «مقبرة صغيرة» يحمل الإنسان داخلها أشياء كثيرة دفنها الزمن، لكنها لا تختفي تمامًا، ومنها:

    أحلام لم تتحقق.
    أماني تعذر الوصول إليها.
    فرص ولقاءات انتهت.
    مواقف مؤلمة أو مفرحة.
    أشخاص رحلوا وبقي أثرهم.
    كلمات لم تُقل في وقتها.
    علاقات انتهت لكن ذكرياتها بقيت.
    أشياء كان الإنسان يتمنى حدوثها وما زال يحتفظ بأمل تحققها.

    وهنا تأتي جماليات الصورة؛ فالمقال لا يتحدث عن الموت بمعناه الحرفي فقط، وإنما يستخدم الموت والدفن والمقبرة كاستعارة لما فقده الإنسان أو عجز عن تحقيقه.

    ثانيًا: مضمون المقال

    المقال يقوم على حوار ظاهره بسيط بين شخصين، لكنه في الحقيقة وسيلة لفتح باب التأمل في النفس البشرية.

    الصاحب يطرح السؤال:
    هل نحمل جميعًا داخلنا مقبرة صغيرة؟

    ثم يبدأ بتفسير هذه المقبرة، فيجعلها مكانًا رمزيًا لكل ما غاب عن حياتنا وبقي حاضرًا في ذاكرتنا.

    أما الكاتب في البداية فيبدو متحفظًا، صامتًا، وكأنه لا يريد الدخول في هذا النوع من الأسئلة، لكنه تدريجيًا يجد نفسه داخل الفكرة، ثم يقدم رؤيته التي تقوم على أن الهدوء ليس بالضرورة فراغًا، والانشغال ليس بالضرورة عدم اكتراث.

    وهذه من أقوى رسائل النص؛ لأن الإنسان قد يبدو للآخرين هادئًا أو عاديًا، بينما بداخله عالم كامل من الذكريات والصراعات والأسئلة.

    ثالثًا: أهداف المقال

    يمكن قراءة أهداف المقال في عدة مستويات:

    كشف الجانب الخفي من الإنسان
    المقال يريد أن يقول إن لكل إنسان أشياء لا يراها الآخرون، وأن المظاهر الخارجية لا تكشف بالضرورة ما يدور في الداخل.
    التأمل في أثر الذاكرة
    بعض الأشياء تموت في الواقع لكنها تظل حية في الذاكرة، ولذلك تصبح الذاكرة أشبه بمقبرة تحفظ صور الراحلين والأحداث والأمنيات.
    الحديث عن الفقد دون حصره في الموت
    الفقد هنا أوسع من رحيل الأشخاص؛ فقد يكون فقد حلم، أو فرصة، أو علاقة، أو كلمة لم تُقل.
    إبقاء باب الأمل مفتوحًا
    وهذا عنصر مهم جدًا في نهاية المقال؛ فالكاتب لا يريد أن يجعل «المقبرة» رمزًا لليأس، بل يرى أن الأمل يبقى ما دام الإنسان حيًا.

    ولهذا يقول بمعنى واضح إن الإنسان قد يدفن حلمًا اليوم، لكنه لا يستطيع أن يعرف ما الذي ستأتي به الأيام غدًا.

    الوصول إلى الرضا والقناعة
    النهاية تنقل النص من التأمل النفسي إلى البعد الإيماني، حين يربط الكاتب التعامل مع ما فقدناه بالرضا بما كتبه الله، والإيمان بأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.

    رابعًا: أبرز الصور البلاغية

    أجمل ما في النص هو الاستعارة المركزية «المقبرة الصغيرة».

    فالكاتب لا يقول بصورة مباشرة: لدينا ذكريات مؤلمة وأحلام لم تتحقق وأشخاص فقدناهم، بل يحول كل ذلك إلى مقبرة داخل القلب.

    وهذا يعطي النص عمقًا أدبيًا؛ لأن القارئ يستطيع أن يتخيل أن بداخله فعلًا مكانًا سريًا يحتفظ فيه بأشياء لا يراها أحد.

    ومن الصور الجميلة أيضًا:

    «كلمات ماتت على أعتاب الشفاه»

    وهي صورة قوية جدًا؛ لأنها تجعل الكلمات التي لم تُقل أشبه بأشخاص ماتوا قبل أن يصلوا إلى وجهتهم.

    كذلك عبارة:

    «ويملك أنت وحدك مفتاح الدخول إليها»

    تؤكد خصوصية التجربة الإنسانية؛ فهناك مناطق داخل الإنسان لا يستطيع الآخرون الوصول إليها مهما بلغت معرفتهم به.

    خامسًا: قوة الحوار في المقال

    الحوار بين الكاتب وصاحبه ليس مجرد حوار عابر، بل هو أداة فنية لطرح الأسئلة الوجودية.

    الصاحب يمثل الجانب الذي يفتح الملفات المغلقة ويسأل عن الأشياء التي نحاول تجاهلها، بينما الكاتب يمثل الإنسان الذي يتأمل ويتردد ثم يبحث عن إجابة متزنة.

    والجميل أن الكاتب لا يقدم إجابة قطعية، بل يقول في النهاية:

    «هذا ما لدي وأعلمه والله أعلم»

    وهذا يتناسب مع طبيعة المقال؛ لأن الأسئلة المتعلقة بالذاكرة والفقد والأمل والرضا ليست لها إجابات واحدة تصلح للجميع.

    سادسًا: الرسالة الأعمق

    في تقديري، الرسالة الأهم في المقال ليست الحديث عن «المقبرة الصغيرة» بحد ذاتها، وإنما:

    كل إنسان يحمل في داخله تاريخًا لا يعرفه الآخرون، ولذلك لا ينبغي أن نحكم على هدوء شخص أو صمته أو انشغاله من خلال ظاهره فقط.

    وقد يكون الشخص الذي نراه مبتسمًا يحمل داخله فقدًا كبيرًا، وقد يكون الهادئ منشغلًا بمعارك لا يروي تفاصيلها لأحد.

    وفي الوقت نفسه، المقال يدعو الإنسان إلى عدم تحويل هذه المقبرة الداخلية إلى مكان دائم لليأس؛ فالأمل يمكن أن يعيد الحياة إلى أشياء ظننا أنها ماتت.

    سابعًا: ملاحظتي النقدية على المقال

    المقال قوي من ناحية الفكرة والصورة الأدبية والبعد الإنساني، لكنه يميل أحيانًا إلى الاستطراد وكثرة التفرعات، وهو ما يتوافق أصلًا مع ملاحظة الصاحب في نهاية النص عندما يقول للكاتب:

    «لكثرة تفرعاته وتوهانه وعدم وضوحه»

    وهذه العبارة يمكن اعتبارها أيضًا نقدًا ذاتيًا للنص؛ فالكاتب يبدو وكأنه جعل صاحبه يعبر عن الملاحظة التي قد يخرج بها بعض القراء.

    كما أن الانتقال بين الموت، والذكريات، والأحلام، والكلمات التي لم تقل، ثم الرضا بالقضاء يحتاج إلى قدر أكبر من الترابط لو كان الهدف نشر المقال بصياغة صحفية أدبية أكثر إحكامًا.

    لكن هذا الاستطراد في الوقت نفسه يعطي النص طبيعته التأملية، وكأنه حديث شخص يسترسل في استدعاء ذكرياته وأفكاره.

    الخلاصة

    المقال ليس عن المقابر بقدر ما هو عن الإنسان.

    المقبرة فيه رمز لكل شيء انتهى في الواقع ولم ينتهِ في الذاكرة؛ والأشخاص الراحلون، والأحلام المؤجلة، والكلمات المسكوت عنها، والفرص الضائعة، كلها تتحول إلى «موتى» يسكنون داخل الإنسان.

    لكن النص لا ينتهي عند الحزن، بل ينتقل إلى الأمل والرضا، وكأنه يقول:

    قد ندفن أشياء كثيرة داخلنا، لكننا ما دمنا أحياء، فليس كل ما دفناه قد مات نهائيًا؛ بعض الأحلام قد تعود، وبعض الأبواب قد تُفتح، وما بين الفقد والأمل يعيش الإنسان.

    وهذه تحديدًا هي القيمة الأجمل في المقال: أنه يبدأ بسؤال عن الموت، لكنه ينتهي برسالة عن الحياة.

    1. أبدعت كعادتك في تفكيك رموز هذه المشاركة المتواضعة .. أنرت بعض الجوانب التي خفى نورها حتى على شخصي الضعيف وهذا ما يطمئن ضعيف مثلي ان هناك قراء وقد تجاوزت انت بما لديك ملكة القاريْ المستنير المدرك الفاهم الواع لما يقراء بعدا ورمزية ومعنى إلى ناقد يملك رصيدا معرفيا اجلسك بهدوء وسكينة لندية الحوار وجدية الطرح وقوة الحضور ودفع الحجة بالحجة وهذه لا يملكها إلا من كان سلاحه رصيدا معرفيا ثقافيا ذي ثقل .. فلك كل التقدير على كريم الحضور وجميل التصويب وفضل احسانك الذي أنت له أقدر ومثلي اليه أحوج .. رعاك الباري ..

شاركنا رأيك ✍️ هل تتفق مع ما ورد في الموضوع؟ ننتظر تعليقك ورأيك بكل صراحة.. فصوتك يهمنا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى